أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي

120

النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه

قيل : ما بين بعوضة فما فوقها ، وحكوا أنّ العرب تقول : ( مطرنا ما زبالة فالثّعلبيّة ) « 1 » ، ( وله عشرون ما ناقة فجملا ) وأنكر المبرد هذين الوجهين . وأجود هذه الأوجه : الوجه الأول ؛ وذلك أن ( يضرب ) لمّا صارت لضرب الأمثال صارت في معنى ( جعل ) ، فجاز أن تتعدى إلى مفعولين ، وإذا كانت كذلك من جملة ما يدخل على المبتدأ والخبر ، هذا أقيس ما يحمل عليه ، وإنّما اخترته لأنني وجدت في الكتاب العزيز ما يدلّ عليه ؛ وذلك بأنني وجدت فيه قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ [ يونس : 24 ] ، فمثل الحياة الدّنيا : مبتدأ ، وكماء : الخبر ، كما تقول : إنّما زيد كعمرو ، ووجدت فيه وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ [ الكهف : 45 ] فأنت ترى كيف دخلت اضْرِبْ على المبتدأ والخبر فصار هذا بمنزلة قولك : ظننت زيدا كعمرو . ويجوز الرّفع في بَعُوضَةً من وجهين « 2 » : أحدهما : أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف يكون في صلة ( ما ) على أن تكون ( ما ) بمنزلة ( الّذي ) ، فيكون التّقدير : إنّ اللّه لا يستحي أن يضرب مثلا ما هو بعوضة ، أي : الّذي هو بعوضة . والوجه الثاني : أن يكون على إضمار مبتدأ ، لا يكون في صلة ( ما ) ولا تكون ( ما ) بمعنى ( الذي ) كأنّه قال : إنّ اللّه لا يستحي أن يضرب مثلا ما ، قيل : ما هو ؟ قيل : بعوضة ، أي : هو بعوضة ، كما تقول : مررت برجل زيد . وقد قيل « 3 » : أن ( ما ) هاهنا يجوز أن تكون كافة للفعل ، فيستأنف الكلام بعدها ، وهو على معنى المفعول ، قال الشاعر « 4 » .

--> ( 1 ) زبالة : كثمالة ، والتعلبية بفتح الثاء : موضعان من منازل طريق مكة إلى الكوفة . قال ابن جني : تقول : ( مطرنا ما بين زبالة فالثعلبية ) إذا أردت أن المطر انتظم الأماكن التي ما بين هاتين القريتين . وإذا قلت ( مطرنا ما بين زبالة والثعلبية ) فإنما أفدت بهذا القول أنّ المطر وقع بينهما ، ولم ترد أنّه اتصل في هذه الأماكن من أولها إلى آخرها . ينظر معاني القرآن للفراء : 1 / 22 ، وسر صناعة الإعراب : 1 / 22 ، وخزانة الأدب : 11 / 10 - 20 . ( 2 ) وهي من القراءات الشاذة التي قرأ بها الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج وقطرب . ينظر المحتسب : 1 / 64 ، ومجاز القرآن : 1 / 35 ، والكشاف : 1 / 115 . ( 3 ) القول للهروي في الأزهية : 79 ، 83 . ( 4 ) استشهد به سيبويه : 1 / 283 ، ونسبه إلى المرار الأسدي ، وأيضا ابن السراج في الأصول : 1 / 234 ، وجاء في المقتضب : 2 / 54 من غير نسبه .